عبد اللطيف البغدادي
33
الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر
ولا يثقل ذلك علينا كما يثقل على الصبيان ، ففي جميع الأشياء الطباعية شيءٌ عجيبٌ ، ولذلك ينبغي لنا أن نطلب معرفة طباع كلِّ واحدٍ من الحيوان ونعلم أنّ في جميعه شيئا طباعياً كريماً ، لأنّه لم يطبع شيء منها على وجه الباطل ولا كما جاء واتّفق ولا بالبخت ، بل كل ما يكون من قبيل الطِّباع قائماً ، يكون لشيء أعنى لحال التمام ، ولذلك صار له مكان ومرتبة وفضيلة صالحة ، فتبارك الله أحسن الخالقين ! ! وأما باطن الحيوان وتجويفاته وما فيها من العجائب التي تشتمل على وصفها كتب التشريح لجالينوس وغيره وكتاب منافع الأعضاء له ، فأنّ أيسر اليُسير منه يبهتُ دونه المصوِّر حسيرا ولا يجد له على ذلك ظهيراً ويعلم مصداق قوله تعالى : [ وخُلق الإنسان ضعيفا ] . وأقول أن التعجُّب من الأمور الصناعية أيضاً هو التعجُّب من الأمور الطباعية ، لأنّ الأمور الصناعية هي بوجهٍ ما طباعية ، وذلك أنها حادثة عن قوى طباعية ، كما أنَّ المهندسَ إذا حرَّك ثِقلاً عظيما استحقَّ أن يتعجّب منه ، فكذلك إذا صنع صورةً من خشبٍ مثلا تحرك تلك الصورة ثقلا ما ، كان ذلك المهندس أحرى أن يتعجب منه ، والله خلقكم وما تعملون فتبارك مَن هذا ملكوته ، ثمّ تردون إلى عالم الغيب والشهادة ، وفي أنفسكم أفلا تبصرون ، ونور جلاله ساطعٌ فلا يحجبه حجاب ، يعلمُ خائنة الأعين وما تخفي الصدور . ومن أشباح الموجودات بقدرته قائمة وبإرادته متحركة وساكنة وبنفاذ أمره فيها فرحة ، وباقترابها من حضرة قدسه مبتهجة ، ولتكثرها تشهد بوحدانيته وبتغيّرها تقر بقدرته وإن من شيء إلّا يسبح بحمده . ولنرجع إلى حديثنا الأول فنقول ، هذه الأصنام مع كثرتها قد تركتها الأيام إلّا الأقلَّ منها جذاذا وغادرتها رماداً ، ولقد شاهدتُ كبيراً منها وقد نحت من صلعته رحاً ولم يظهر في صورته كبيرُ تشويهٍ ولا تغيُّرٌ بيّن ، ، ورأيت صنماً وبين رجليه صنمٌ متَّصلٌ به صغير كأنه مولود بالقياس إليه ، وهو مع ذلك كأعظم رجلٍ يكون ، وعليه من الملاحة والجمال ما يشوق الناظر إليه لا يملُّ من ملاحظته ، واتخاذ الأصنام قد كان في ذلك الزمان شائعا في الأرض عامّاً في الأمم ولهذا قال تعالي في حق إبراهيم عليه السلام : [ إنّ إبراهيم كان أمَّةً قانتا لله حنيفاً ولم يكُ من المشركين ] أي